كتب :هاني كشك

فى كل يوم اذهب فيه الى الصلاة بالمسجد اجدها تجلس بجوار بابه وقد شحب وجهها اكثر مما سبق وكأنها تحمل هموم الزمان كله على رأسها أو ان الحزن لم يجد مكانا الا عينيها فسكن فيهما . تجلس فى استكانة وتضع وليدها امامها وقد غطتة بأغطية الشتاء الثقيلة لتحميه من البرد. تارة تحمله على كتفها وتارة تضعه على رجليها وفى كل الاحوال يلازمها نظرة لاتحمل إلا كل معانى الاسى . إنها تجلس وتنتظر أن يخرج المصلين فيضعوا فى يدها مايشفقون عليها به من نقود  فتدعو لهم وهى لاتكف عن الدعاء طوال جلستها فقد تستطيع ان تخرج من جيب احدهم مالا لم يكن ينوى اخراجه لها. 

كنت امر عليها كل يوم وكان سؤالا يتردد فى ذهنى دائما ماالذى يجعل إمرأة فى العقد الثالث من عمرها تجلس تنتظر الاحسان الى هذا الحد الذى يجعلها تبدو كذليلة ومكسورة لاتملك من الدنيا إلا انتظار نقودا من اشخاص لايعرفونها فيعطفون عليها ويخرجون جزاء من نقودهم لها ثم تتوجه هى لهم بالدعاء بالبركة والصحة والستر. ما الذى جعلها تصل الى هذا الحد ؟ ويتبادر فى ذهنى احيانا انها ليست مسكينة ولاتحتاج الى الشفقة او العطف ولكنها تجيد ادوار الكآبة ويمكنها أن تلعب دور الشحاذة فى السينما وتؤديه ببراعاة فائقة. ويتبادر إلى ذهنى ايضا إنها بالفعل مسكينة تحتاج الرعاية والمساعدة. لماذا اريد ان احلل موقفها بالصدق او بالكذب فأنا لست رقيبا عليها فى كل الاحوال ولست مسئولا عما يدور فى خاطرها.؟

مما لاشك فيه سواءا كانت مسكينة فعلا أو ممثلة أن البعض منا لم يعد له صلة من قريب أو بعيد بفقراء الامة وهناك البعض يتنصل من الزكاة مثلا او اخراج مبلغا ثابتا كل شهر يضعه فى صندوق أحد المساجد ليساعد به فقراء المسلمين على سد حاجتهم وسترهم متعللاً فى هذا بالمصاعب والمشاق والتزامات الحياة ونردد احيانا مثل شعبى ( اللى يعوزه البيت يحرم ع الجامع ) بمعنى اذا كان منزلك يحتاج الى نقود فهو أولى فى الانفاق . 

بمنتهى الصراحة أنا ارفض هذا المثل الشعبى من اوله لأخره لأننا بهذا ننكر حديث الرسول ( ما نقص مال من صدقة ) يجب ان يكون لدينا هذا اليقين ومؤمنين به بأن ما ننفقه فى سبيل الله لاينقص اموالنا وسيكون فى ميزان حسناتنا وبالتالى فنحن من نحتاج الى الفقراء وليسوا هم من يحتاجون الينا . فلو خرجت تبحث عن فقير تعطيه نقودا يسد بها جوعه وتستره فى الدنيا فأنت من تحتاج الى هذا وليس هو لذا فإن بحثت سيوفقك الله فى أن تجد فقيرا بالفعل وليس ممثلا يدعى الفقر ليأخذ نقودا ليست من حقة. حتى وإن اعطيت ممثلا فمادمت قد عقدت نية الانفاق فى سبيل الله ستجزى بها ان شاء الله. 

لو اننا جميعا تكاتفنا وتواصلنا معا كطبقات مجتمع ستشعر اننا جميعا نحتاج الى بعضنا البعض وان كلا منا يجد حاجته عند الاخر ولزاد المجتمع قوة وتماسك ولم نعد كما نرى ينتشر بيننا وباء اللامبالاة ومفهوم ( وانا مالى ) وسنشعر فى هذا الوقت بقيمتنا كبشر ونشعر بصفاء قلوبنا. وسأفترض انك لاتستطيع ان تنفق نقودا لأنك غير قادر أو ان ( اللى جاى على أد اللى رايح ) يمكنك ايضا ان تتواصل مع الفقير بكلمة طيبة ونظرة ود ومحبة ويكفى ان تسأله عن احواله فيشعر فى هذة اللحظة بالسعادة . لو انفقت من وقتك فستجزى ايضا فليس بالمال فقط يمكنك ان تتصدق بل ان زيارتك احيانا لأحد الفقراء تكون عليه افضل من كنوز الدنيا فليس المال هو السبيل الوحيد للسعادة . اعلم انك تحتاج الى الفقير كما يحتاج الفقير اليك . ولتحمد الله ان لك مسكنا تسكنه وغيرك يجلس فى ( عشة ) ولتحمد الله على وسيلة مواصلات تركبها فالبعض يسير على قدمه ليوفر ثمن التذكرة ولتحمد الله على الطعام الذى تأكله فغيرك لايجد مايسد به جوعه ولتحمد الله على صحتك فالبعض قد انهكه المرض ولايزال فى شبابه ولتحمد الله على كل نعمه التى انعمها عليك فأنت لن تستطيع ان تحصيها .... الحمد لله .

المصدر: شباب ونص
shababwenos

شباب ونص - مجلة صحفية شبابية

  • Currently 0/5 Stars.
  • 1 2 3 4 5
0 تصويتات / 181 مشاهدة
نشرت فى 11 إبريل 2014 بواسطة shababwenos

ساحة النقاش

Shababwenos

shababwenos
بنفكر في اللي بتفكر فيه، وبنقولك اللي محدش مهتم بيه.. »
جارى التحميل

تسجيل الدخول

عدد زيارات الموقع

937,163

أهداف برشلونة وباريس س جيرمان


https://www.youtube.com/watch?v=6iLKS2ZH_rM